سجل بالقائمة البريدية

 
 

اختيارات القراء خلال اليوم

 
أخبار البادية
مرزق حدوتة تراث لا تنتهي
 سرت : ليبيا اليوم : سليمة بن نزهه " إنها مدن الجنوب تلك المناجم الزاخرة بالطبيعة والتلقائية والفطرة وقبل كل ذلك وبعده هي محطات التاريخ التي تستوقفك مجبرا ومخيراً لإلقاء نظرة معرفة وامتنان لمن كانوا السبب في وجود هذا الإرث الضخم . مرزق المدينة الأكثر شهرة بتراثها الغنائي المعروف في معظم أنحاء الجماهيرية ولعل غرابة المعمار في مرزق هو أول ما يشد انتباهك  أن حظيت بزيارتها لأول مرة حيث تكثر بها بساتين وجنان النخيل الوارفة التي تنتشر في مختلف ربوعها ... كما يوجد بمرزق كم هائل من المياه الجوفية الوفيرة التي كانت تظهر تلقائية على وجه الأرض تلفها المزارع الخضراء  في حلقة متحدة  .... وهذه المقومات الطبيعية الرائعة هي أهم ما يميز مرزق الواقعة في منخفض شبه مغلق على بعد 125 كم تقريبا جنوب غرب مدينة سبها في الجنوب الليبي .. وتقع المدينة في منطقة سبخية ترتفع عن سطح البحر بحوالي 450 مترا يحدها من الجنوب بحر من الرمال " أدهان مرزق " ومن الشمال صحراء صخرية " حماده " ترتفع عنها 100 متر تقريبا ، ومن الثابت وجود مخزون جيد وشبه سطحي من المياه الجوفية في المنطقة وكما سبق وذكرنا تحيط المدينة القديمة أشجار النخيل والمزارع الصغيرة ضمن نطاق 3 إلى 4 كم فقط لعدم وجود وسائل النقل الإلية في القديم ومناخ مرزق صحراوي قاري متطرف حار صيفا وبارد شتاء وسكان مرزق عرب مسلمون رغم ما يعتقدون من تمازج أجناسهم قديما بسبب الاختلاط الناجم عن حركة تجارة القوافل ولقد تزايد وتناقص عدد سكان مرزق على مختلف العصور ومن أهم المعالم القديمة التي تشتهر بهن مرزق قديما قلعة اشتهرت بقلعة أولاد محمد الفاسي كانت قد شيدت على كوم عال من الأرض وأحيطت بسور مرتفع به عدد من الأبراج ... وهذه الأبراج بها فتحات صغيرة تستخدم لأغراض الحراسة والدفاع ... وتتعالى أصوات  المآذن الملائكية بالقرب من هذه القلعة منبعثا عن مسجد مرزق العتيق .. وتعتبر مرزق من أهم مدن فزان حيث ازدهرت بالتجارة وكانت قوافل الحجيج القادمة من المغرب عن طريق وادي برجوج ووادي الجفرة تمر بها .... كما كانت تأتيها القوافل أيضا من طرابلس وساحل البحر الأبيض المتوسط المتجهة إلى " برنو" وكذلك القوافل المتوجهة نحو غات ومنها إلى السودان الأوسط .ومؤسس مرزق على حسب الروايات التاريخية هو احد المرابطين المراكشيين ويدعى محمد أسسها في القرن الرابع عشر ميلاديا لتصبح عاصمة المنطقة الإدارية والتجارية ومحطة رئيسية على طرق القوافل عبر الصحراء الكبرى وقد قام محمد هذا وأولاده من بعده بإنشاء المدينة من حيين في أول الأمر هما حي الراسي وشماله حي الزويه غير أن حي الراسي هجر فيما بعد لكثرة مستنقعاته وهو عبارة عن آثار وأطلال ألان والذين انتقلو من حي الراسي قد شيدو مساكن شمال حي الزويه وانشؤو حي النزلة وقد شيد  الحصن والمسجد العتيق في الطرف الشمالي الغربي من المدينة التي أحيطت بسور يضم حي الزوية في الجنوب وحي النزالة في الشمال يتوسطاهما شارع حميده العريض وللسور ثلاثة ابواب هي الباب الكبير في الشرق والباب البحري أو باب الخير في الشمال وأكبرها باب المغمغم في الغرب وهكذا صارت مرزق مدينة بشارعها الرئيسي الأوسط وسوقها وقلعتها وبواباتها ومساكنها ذات الدورين أحيانا وذات طابع حضاري يشبه مدن الساحل والشرق ، وتمثل مركز العمران الحضري بالمنطقة بمعنى الكلمة ومن ثم أطلق عليها اسم مدينة في حين أن التجمعات السكنية الأخرى الصغيرة عرفت بالقرى وتعتبر القلعة علامة بارزه في معمار مرزق ألا أنها هجرت لفترة طويلة وصارت تتآكل لطول الزمن ... أما الطابع العام للبناء فهو النسيج العمراني المتكاثف ذو المقياس الصغير ومدة البناء والهندسة غير متينة مما جعل المدينة تتضرر إلى حد خطير من الأمطار والسيول ألجارفه التي حدثت سنة 1963 ف ولقد كانت مرزق عاصمة لفزان الممتدة بين الجفرة وغات قرابة خمسة قرون من عام 1560 ف إلى 1930 ف وكانت مركزا هاما لتجارة القوافل ومن هنا اكتسبت معظم دورها الإقليمي والحضاري كمركز للحكم والإدارة والتجارة والعمران وعليه فقد فقدت معظم أهميتها وبريقها بانتقال الحكم إلى سبها وباختفاء القوافل وبنمو القرى المنافسة المجاروة لها فتدهورت ومن الصعب تحديد اصل وأنماط البناء بمدينة مرزق القديمة إذ يمكن أن يكون بعضها قد جاء مع العرب من الشرق في القديم وبعضها قد يكون قد وفد من الشمال كنتاج للحركة والاختلاطات وبعضها واضح كل الوضوح إذ انه من تأثير العمارة الإسلامية ، أما المدينة ككل فيمكن أن تكون قد نمت وترعرعت بصورة مستقلة وتطورت مع الزمن تحت تأثير الظروف البيئية والاجتماعية والجغرافية والاقتصادية المحلية ومن المرجح أن الأقواس والقباب والمآذن والأضرحة الموجودة بالمدينة ترجع إلى تأثير الفن المعماري الإسلامي ولان هذه المعالم من علامات البيئية المعمارية الإسلامية ... وكذلك غيبة التماثيل والزينة المبالغ فيها كما أن البساطة في فكرة بناء المساجد على أنها أماكن للصلاة والدرس الديني أساسا والاهتمام بصلاة في الأوقات المحددة لها جماعة إلى جانب التباهي بما هو إسلامي أدى إلى وجود العديد من المساجد في مدينة مرزق القديمة حتى صارت مواقعها ومآذنها من علامات كل حي بل أكثر ما كانت العلامة المعمارية الوحيدة البارزة .وقد اثر بطبيعة الحال المناخ الصحراوي في عمارة مرزق القديمة  حيث يتضح تأثير المناخ الحار في العمارة بمرزق في كون  الحيطان بنيت عريضة وهي مبنية من مادة  تبدو بسيطة التوصيل للحرارة ، كما يتضح في تفصيل السقف المرتفع للتهوية وفي  قلة النوافذ وصغرها عكس ما يتوقع وفي وجود مكان بالبيت للجلوس في الظل صيفاً وآخر للجلوس في الشمس شتاءا إلى جانب السطح للنوم صيفاً وغرفة الشتاء المظلمة تماما ًوالمهندسة وسط البيت شتاءً بل كان للقادرين بيت أو عدد من البيوت داخل المدينة للشتاء وبيت في منطقة المزارع للصيف والفسحة .. كما أن ضيق الشوارع وقرب الحوائط بعضها من بعض ووجود المظلات والأقواس أحياناً أدى إلى وفرة الظل في الشوارع لوقاية المشاة من ضربة الشمس  وضيق الشوارع وتجاور المساكن بعضها جنب بعض وقربها من بعض في المدينة والشكل المخروطي للزرائب في المزارع أدى إلى التقليل من تأثير الرياح . وفي كل الأحوال كان يفضل الاتجاه إلى التوجيه البحري لحصول المبنى على أكبر قدر من الهواء البحري البارد ولتحاشي رياح القبلي .مما تقدم يتضح أن المباني القديمة قد أخذت تأثير  وقسوة المناخ في الاعتبار وذللت هذه الصعوبة معمارياً في حدود الإمكانيات الطبيعية المتوفرة . إلا أن جميع المباني كانت عرضة ً للانهيار تحت تأثير مياه الأمطار لعدم هندسة أساساتها وأسقفها و لضعف مادة البناء . ولذا كان المطر على ندرته مؤثراً ومهلكاً لمباني المدينة ، فالأسقف مثلاً تسرب الماء لعدم فاعلية الطبقة الطينية عليها ولعدم وجود ميول ومصارف بالسقف . ويبدو أن الأمطار كانت قليلة إذ أنه لا تكاد تبرز ولا محاولة معمارية واحدة لصرف مياه الأمطار في المدينة كما أن مرزق اشتهرت بالعديدة من الصناعات المحلية القائمة على الفخار وعلى شجر النخيل ومنتجاته وعلى بعض النباتات وأيضا على الجلود والصوف إلى جانب بعض أنواع الحدادة البسيطة .... فمن الفخار تصنع الأواني والفرن البلدي ( التنور ) ( والبخارة ) للبخور ( والمنقل ) كموقد لصنع الشاي و( الطابونة ) للتدفئة بالحطب ومن شجرة النخيل تصنع المراوح والأطباق ( والسدة ) للنوم والرفوف لوضع الأشياء ومن نبات الديس (السمار) تصنع الحصر بمختلف أنواعها ... ومن الجلود والصوف تصنع الفرش والامخاد وما شابه ذلك وهذه الصناعات المحلية كان يقوم عليها أثاث المنزل المرزقاوي ....وقد ورد الحديث عن مرزق في كتب التاريخ عندما تحدث عنها الرحالة " هورنمان " عن عاصمة فزان التي زارها سنة 1797 ف ووصفها بأنها مدينة صحراوية تعج بالحركة ويزدحم فيها السكان من مختلف الأجناس فذلك لأنه  زارها في زمن كانت فيه مرزق تعيش فترة نشاط تجاري وحيوي كبير لأنها كانت محطة تجارية هامة لطرق القوافل الصحراوية الشهيرة التي كانت تنقل البضائع بين أسواق أفريقيا وبين أسواق الشمال الإفريقي وأوروبا وبعد قيام ثورة الفاتح من سبتمبر في 1969 ف " لم يعد إقليم فزان نسيا منسيا " أصبح مرزق من أهم مدن لجماهيرية حيث أصبح هناك اهتمام متزايد وكبير بخطط التنمية الاقتصادية بصورة خاصة في منطقة فزان فشدت بداية السبعينات من هذا القرن تحولا اقتصاديا كبير في هذه المنطقة .. وكان لمدينة مرزق من هذا التحول نصيب لا يستهان به لهذا تطور عدد السكان وازداد وبلغ عدد سكان مرزق 6 % من سكان الجماهيرية وازداد عدد الوافدين إليها من الواحات المجاورة وشهدت معظم مرافقها الصحية والعلمية والحياتية تطور عظيم .                                  
 
الصفحة 1 من 3