سجل بالقائمة البريدية

 
 

اختيارات القراء خلال اليوم

 
العلاقات الاقتصادية السرية بين العرب وإسرائيل طباعة إرسال إلى صديق

التجارة بين إسرائيل وكل من مصر والأردن تشكل 92.7% من إجمالى التجارة العربية مع إسرائيل


ـ الأرقام - باعتبارها لغة لا تكذب ولا تتجمل - تكشف عن تنامى حجم التجارة السرية العربية مع إسرائيل
يعايش الصراع العربى - الإسرائيلى إحدى أشد أزماته، لا سيما على الجبهة الفلسطينية - الإسرائيلية، ذلك منذ صعود حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى سُدة السلطة الفلسطينية، وما ترتب على ذلك من أحداث وتطورات وفرت الوقود اللازم لعودة العلاقات بين الطرفين: الفلسطينى والإسرائيلى سريعًا إلى طابعها الصراعى والعنيف، الذى طالما وسمها منذ بزوغ هذا الصراع.
وبينما يستأثر هذا المشهد المداوم بانتباه المتابع العام والمتخصص، إذ بتقرير صدر مؤخرًا عن مركز أبحاث الكونجرس
Congressional Center Research Center Research
يلقى الضوء على حال المقاطعة العربية الاقتصادية لإسرائيل،
ويبرز الدور الذى تقوم به الإدارة الأمريكية للحيلولة دون استمرار هذه المقاطعة، والوسائل التى تتبعها واشنطن لدفع الحكومات العربية على إنهاء مقاطعتها التجارية لإسرائيل.
بما يكشف أن ثمة تطورات ليست ذات صلة بالتطورات الصراعية والعنيفة باعتبارها السمة الأبرز لهذا النزاع الممتد، ذلك أن ثمة تطورات أخرى تسير فى اتجاه مناقض تمامًا لمآلات الوضع السياسى والأمنى التى تنبئ عنها تطورات الأحداث فى المنطقة.
ويكشف التقرير الأمريكى أن التطبيع الاقتصادى بين إسرائيل والدول العربية يجب أن يتأسس على تحقيق المصالح الإسرائيلية، وذلك من خلال الجهود التى تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث يكون التطبيع بين العرب وإسرائيل لا يعنى مجرد إقامة علاقات تجارية أو دبلوماسية، وإنما يشمل مراجعة لمفاهيم الصراع ولفهم التاريخ والمنطلقات الدينية، أى يجب أن يكون عملية قلب جذرية للنظرة العربية والإسلامية تجاه إسرائيل، فالاتفاقيات توفر لإسرائيل اعترافًا قانونيًا بسيادتها كدولة، ولكن هذا الاعتراف لا يوفر لها شرعية وجودية لدى الشعوب العربية، ومن ثم فإن التعاون الاقتصادى يعد أهم الوسائل لتحقيق ذلك، ولعل ذلك هو ذات المضمون الذى كان قد أكد عليه رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق أرئيل شارون حينما صرح بـ "أن الاتفاقيات التى توقعها إسرائيل مع الدول العربية لا تساوى الورق الذى تكتب عليه".

لغة الأرقام
الأرقام، باعتبارها لغة لا تكذب ولا تتجمل، تكشف عن تنامى حجم التجارة السرية العربية مع إسرائيل، فوفق دراسة حديثة لمعهد التصدير الإسرائيلى، سجل حجم الصادرات الإسرائيلية (ما عدا الماس) إلى الدول العربية ارتفاعًا ملحوظًا، خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2005م، بنسبة ارتفاع بلغت 26%، قياسًا بالفترة ذاتها من عام 2004م، ليتجاوز حجم هذه الصادرات فى هذه الفترة 171 مليون دولار. وأشار التقرير إلى أن 66 شركة إسرائيلية قامت بتصدير منتجاتها إلى العراق، حيث بلغ حجم هذا التصدير فى النصف الأول من العام الماضى 3.7 ملايين دولار.
وذكرت أن حجم التصدير إلى تونس ارتفع بنسبة 145%، مقابل الفترة نفسها من عام 2004م، ونسبة التصدير إلى المغرب ارتفعت بنسبة 43% خلال نفس الفترة، وبلغ حجم الصادرات الإسرائيلية 10 ملايين دولار أمريكى. وأن هناك 123 مؤسسة إسرائيلية تعمل فى مصر، بما يشكل ارتفاعًا بنسبة 9% مقارنة مع عام 2004م. وقد ارتفع حجم التصدير الإسرائيلى إلى مصر بنسبة 189% وبحجم بلغ 64.6 مليون دولار.
كما كشفت الدراسة الإسرائيلية عن تضاعف حجم التجارة السرية بين إسرائيل والدول العربية، مشيرة إلى أنها بلغت حوالى 400 مليون دولار سنويًا، وهو ما يتجاوز ضعفى حجم التبادل التجارى المعلن بين إسرائيل ومصر والأردن، فيما أشارت صحيفتا "نيويورك تايمز" الأمريكية و"هآرتس" الإسرائيلية، فى تقريرين لهما حول هذا الموضوع، إلا أنه من الصعب تحديد حجم التجارة السرية أو الواردات العربية من إسرائيل، ذلك جراء استخدام إسرائيل دولاً "وسيطة" لتصدير إنتاجها إلى الدول العربية، ولعل أشهر دولتين تعملان كوسيط بين إسرائيل والدول العربية هما: هولندا وقبرص.
ولإكساب البيانات السابقة مصداقية أكثر، فإن ثمة دراسة اقتصادية حديثة صادرة عن وزارة التجارة والصناعة المصرية، وهى إن كانت تقلل من قيمة وحجم التجارة السرية بين العرب وإسرائيل، فإنها لا تنفى اطراد حجم هذه التجارة فى السنوات الأخيرة، إذ تشير إلى أن حجم التجارة السرية بين الدول العربية وإسرائيل قد بلغ زهاء 193 مليون دولار، منها صادرات عربية بمقدار 68.2 مليون دولار، وواردات من إسرائيل بلغت زهاء 125.6 مليون دولار. وتتصدر الأردن قائمة الدول العربية التى تتعامل اقتصاديًا مع إسرائيل، بحجم تجارة بلغ 130 مليون دولار، بنسبة 67.8 فى المائة من إجمالى حجم التجارة العربية مع إسرائيل. وجاءت مصر فى المرتبة الثانية من حيث حجم التجارة مع إسرائيل، حيث وصلت قيمة هذه التجارة زهاء 48.6 مليون دولار. وتشكل التجارة بين إسرائيل وكل من مصر والأردن نسبة 92.7% من إجمالى التجارة العربية مع إسرائيل.

التبادل التجارى
إن حجم التبادل التجارى بين العرب وإسرائيل يتراوح بين 8% و9% من إجمالى التجارة العربية مع البلدان الأخرى، وعلى الرغم من ذلك فإن إسرائيل لا تبغى التكتل مع دول المنطقة فى تجمع اقتصادى إقليمى، إذ إنها مرتبطة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى باتفاقات للتجارة الحرة، بما يوفر لإسرائيل امتيازات عديدة، غير أنها تبغى فى ذات الآن تحقيق أكبر قدر من المكاسب الممكنة من تعزيز حجم تجارتها سواء السرية أو المعلنة مع الدول العربية، وذلك من خلال اتباع ما يطلق عليه نظام "المحور والأضلاع"، بمعنى أن تقيم إسرائيل علاقات ثنائية مع كل دولة عربية على حدة، بما يؤهلها فى مرحلة لاحقة لأن تضطلع بدور المركز والمحور الرئيسى فى التعاملات التجارية والاقتصادية الإقليمية.
وقد كانت أبرز الوسائل الإسرائيلية لتحقيق هذا الهدف اتفاقيات "الكويز" التى وقعتها مع كل من مصر والأردن، والتى طرحتها الولايات المتحدة كمقدمة لدخول إسرائيل فى مختلف الاتفاقات الاقتصادية التى تبرمها الولايات المتحدة مع الدول العربية. وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقيات قد أسهمت فى اطراد الصادرات المصرية والأردنية إلى الأسواق الأمريكية، غير أنها فى الوقت ذاته قد جعلت المنتجات الإسرائيلية موجودة بشكل دائم ومعلن فى أسواق الدولتين.
وتأخذ الصادرات الإسرائيلية للدول العربية ثلاثة أشكال، أولها المعدات الزراعية، مثل معدات الرى ولقاحات التطعيم الحيوانية، والمعلومات التكنولوجية ومكوناتها، بالإضافة إلى البذور الزراعية المعالجة وراثيًا. وترجع أهمية التعاون الاقتصادى بين الدول العربية وإسرائيل وفق المنظور الإسرائيلى إلى عدة أسباب أهمها:
أولاً - المحددات التى يفرضها العامل الجغرافى على السلوك الخارجى للدولة العبرية، ذلك أن وجود إسرائيل كدولة يهودية فى محيط عربى إسلامى، يحتم عليها العمل على دعم سبل التعاون مع هذه الدول لتحقيق شرعية التواجد والقبول العام فى محيطها الجغرافى، ومن ثم جنى الثمار المترتبة على القبول بهذا التواجد بالنظر إلى التفوق الذى تتمتع به كثير من الصناعات الإسرائيلية مقارنة بالصناعات العربية.
ثانيًا - تسعى إسرائيل إلى دعم سبل التعاون التجارى مع الدول العربية، لما لهذه الأخيرة من قدرات مالية كبيرة وأسواق تتسم بالاتساع والقدرة على امتصاص كميات كبيرة من السلع الإسرائيلية، خصوصًا الأسواق الخليجية التى تحظى بنزعة استهلاكية مرتفعة، وكذا بالنسبة للدول كثيفة السكان كمصر وسوريا على سبيل المثال، بما قد يتيح للاقتصاد الإسرائيلى تحقيق مكاسب ضخمة بالنظر إلى تركز الصناعات الإسرائيلية للخارج فى الصناعات التحويلية وعالية التكنولوجيا، إذ تمثل مبيعات إسرائيل من الآلات والمعدات الإليكترونية حوالى 31% من إجمالى الصادرات الإسرائيلية، وفى الوقت نفسه فإن الواردات العربية من هذه النوعية من السلع تتجاوز 65 مليار دولار سنويًا، بما يوازى زهاء 69% من إجمالى الواردات العربية، والتى تحصل عليها من دول الاتحاد الأوروبى، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى الرغم من إدراك إسرائيل إلى أن ثمة حاجز نفسى لدى الشعوب العربية، والتى يكشف تتبع مواقفها من تطورات النزاع الفلسطينى - الإسرائيلى، عن أنه ليس ثمة استعداد لديها لشراء السلع الإسرائيلية مهما كانت المغريات، غير أن هناك مجموعة من الأساليب التى تجيد إسرائيل استخدامها للالتفاف على عوائق انسياب التجارة بينها وبين جيرانها من الدول العربية، ولعل أهمها:
-
العمل على السماح بعمليات تهريب هذه السلع إلى الأسواق العربية بطرق غير شرعية، وكذا من خلال عدم حمل منتجاتها علامات تدل على أنها صنعت فى إسرائيل من خلال إزالة أى كلمات عبرية من على منتجاتها الموجهة إلى الدول العربية، كما أنها قد تعمل على أن تحمل بعض هذه المنتجات ما يدل على أنها صنعت فى دول أخرى غير إسرائيل.
-
الاجتياز إلى الأسواق العربية عبر أسواق وسيطة وليس مباشرة إلى الأسواق العربية، من خلال توظيف ما يمكن أن يطلق عليه "الطرف الثالث"، حيث يقوم تجار إسرائيليون وعرب من مصر ولبنان وسوريا والأردن بتسويق منتجات إسرائيل تحت أسماء دولة غير عربية فى أسواق هذه الدول، وإدخال السلع إلى دول الخليج العربى عن طريق قبرص، وفى الغالب تكون تحركات هؤلاء التجار إلى إسرائيل ومنها عبر دول أخرى.
-
القيام بفتح مكاتب اتصال تركز على العمليات التجارية فى الدول العربية التى تسمح لها بذلك.
-
إنشاء استثمارات إسرائيلية أو مشتركة مع دول عربية مثل حالة مصر والأردن، وذلك ليكون لهم موطئ قدم فى هذه الدول، ولتصدير مستلزمات الإنتاج لهذه الاستثمارات من إسرائيل ولجعلها معبرًا للسلع الإسرائيلية إلى أسواق هذه الدول، وقد نجحت إسرائيل فى ذلك إلى حد كبير فى بعض الحالات.
وعلى الرغم من أهمية "السلام الاقتصادى" مع الدول العربية - وفق المنظور الإسرائيلى، لدفع هذه الدول نحو تبنى علاقات جديدة مع الدولة العبرية تعطَى الأولوية لـ "المنفعة" على "المبادئ"، ولـ "التعاون الإقليمى" على "التضامن الأيديولوجى"، كمقدمة لانتزاع الاعتراف العربى بوجوده سياسيًا، غير أن إسرائيل بمضى الوقت باتت لا تعطى لـ "الاعتراف السياسى" بها، أولوية أكبر من "السلام الاقتصادى"، ولعل ذلك يفسر الحماس الإسرائيلى لحضور "المؤتمرات الاقتصادية" أكثر من حماسها من الجلوس على موائد "المفاوضات السياسية"، سيما بعد أن بينت التجربة أن العائدات والمكاسب التى تدرها الأولى على الجانب الإسرائيلى، هى فى واقع الحال "عائدات مضمونة"، بغض النظر عما آلت إليه اللقاءات السياسية بين الطرفين، بل إن عمليات "التطبيع بالباطن" - إن جاز التعبير - كانت تمضى على قدم وساق، رغم إخلال الدولة العبرية بكل تعهداتها التى صادقت عليها فى الاتفاقيات التى أبرمتها مع أطراف عربية عدة.
إن الفصل بين السياسى والاقتصادى أحد أهم الأهداف التى تشى إليها عملية تتبع مسار سياسات إسرائيل إزاء الدول العربية. ولقد عبر الإسرائيليون عن "أجندة الأولويات" هذه فى مؤتمر القمة الاقتصادية للتنمية فى الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا الذى عقد بالدار البيضاء فى المغرب فى الثلاثين من نوفمبر عام 1994م، إذ قال شمعون بيريز: "الأولوية ستعطى لإخراج إسرائيل من عزلة استمرت نصف قرن عبر المشاركة فى إنشاء اقتصاد إقليمى فى الشرق الأوسط على غرار الاتحاد الأوروبى".

الجهود الأمريكية
ما من شك أن الجهود الأمريكية لها فعل الحسم فى مسار العلاقات التجارية بين العرب وإسرائيل، بما جعل هذه العلاقات تشهد نقلات نوعية لا ترتبط بمسار التسوية السلمية وتطوراته، والذى غالبًا ما يتسم بالسوء والتوتر، وهو ما يعكسه بوضوح تقرير الكونجرس المشار إليه سلفًا، والذى يوضح أن الولايات المتحدة تتبنى موقفًا رسميًا مناهضًا لفكرة مقاطعة إسرائيل تجاريًا، إذ تنص المادة رقم 535 من قانون العمليات الخارجية الأمريكية وتمويل التصدير الصادر عام 2006م على أن الكونجرس الأمريكى يشعر بأن مقاطعة جامعة الدول العربية لإسرائيل تمثل مأزقًا لعملية السلام فى الشرق الأوسط، ولتجارة واستثمارات الولايات المتحدة فى المنطقة، لذا يجب أن تلغى المقاطعة تمامًا، كما يجب على جامعة الدول العربية أن تطبع علاقاتها مع إسرائيل.
وتنص بعض مواد التشريعات الأمريكية التجارية على ضرورة عدم الالتزام بالمقاطعات التجارية التى تفرضها دول أجنبية ضد دول أخرى، وتذكر المادة رقم 8 من قانون إدارة الصادرات، والمعروف اختصارًا باسم EAA أن وزارة التجارة الأمريكية تحظر على أى مواطن أمريكى المشاركة فى المقاطعة التجارية.

إن الإدارة الأمريكية باتت تستغل سعى الدول العربية لعقد اتفاقيات تجارة حرة ثنائية مع الولايات المتحدة للحصول على ما تريد. كذلك تستغل الولايات المتحدة حاجة الدول العربية للانضمام إلى منظمة التجارة الدولية WTO وشروط التجارة الحرة مع كل دول العالم من أجل إثناء بعض الدول العربية عن استمرار مقاطعتها لإسرائيل، ولعل من أبرز الأمور على ذلك ما واجهته المملكة العربية السعودية حينما تقدمت بطلبها للانضمام إلى منظمة التجارة الدولية، إذ أصدر الكونجرس الأمريكى قرارًا بالإجماع فى 5 من أبريل 2006م يعتبر أن السعودية لم توف بشروط الانضمام لمنظمة التجارة الدولية جراء دوام مقاطعة إسرائيل تجاريًا، بما يوضح أن إسرائيل لم تعد فقط "الباب الملكى" إلى الولايات المتحدة، وإنما كذلك للمنظمات الاقتصادية الدولية.